
أمستردام – محمد رائد كعكة
مع بداية الخريف في هولندا ودول أوروبية أخرى، قد يلاحظ القادمون من البلدان العربية مشهداً يتكرر أمام الكثير من المنازل: حبات من الكستناء والجوز، يقطين برتقالي، أوراق أشجار ملونة، ومجسمات صغيرة للفطر الأحمر ذي النقاط البيضاء، وأحياناً قزم صغير بقبعته الحمراء.
للوهلة الأولى قد تبدو مجرد زينة موسمية جميلة، وهذا بالفعل ما تمثله في معظم المنازل اليوم. لكن بعض عناصر هذا المشهد تحمل وراءها أيضاً تاريخاً من الحكايات الشعبية الأوروبية، وخصوصاً عالم الأقزام أو ما يعرف في الهولندية باسم Kabouters.
عندما تتحول الغابة إلى زينة أمام المنزل
يرتبط الخريف في هولندا ارتباطاً وثيقاً بالغابة. ففي هذه الفترة تتساقط أوراق الأشجار وتنتشر الكستناء والجوز والبلوط على الأرض، بينما تساعد الرطوبة والأمطار على ظهور أنواع كثيرة من الفطر.
ولهذا أصبحت الكستناء والفطر والأوراق المتساقطة من أبرز رموز الخريف الهولندي. وتصف منظمة IVN الهولندية للطبيعة مشهد الخريف تحديداً بالأوراق المتغيرة الألوان والكستناء والفطر، وهي العناصر نفسها التي تنتقل من الغابة إلى زينة المنازل والمدارس.
أما اليقطين، فقد أصبح هو الآخر من أشهر رموز الموسم، سواء كجزء من زينة الحصاد والخريف أو بتأثير انتشار احتفالات الهالوين خلال شهر أكتوبر.
ولكن.. ما علاقة الأقزام بالأمر؟
هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.
الأقزام أو Kabouters شخصيات قديمة في التراث الشعبي الهولندي والأوروبي. ولم تكن دائماً مجرد شخصيات لطيفة تصنع للأطفال كما نراها اليوم في الحدائق.
فالحكايات الشعبية القديمة تتحدث عن كائنات صغيرة تعيش بعيداً عن أعين البشر، وأحياناً تحت الأرض، وقد تساعد الإنسان في بعض الأعمال إذا عاملها بطريقة جيدة.
ويصنف معهد Meertens الهولندي قصص الأقزام ضمن التراث الشعبي للبلاد، إلى جانب قصص الساحرات والأرواح والعمالقة وغيرها من الكائنات التي ظهرت في الروايات الشعبية القديمة.
وهل كان الناس يقدمون الطعام للأقزام؟
المثير للاهتمام أن الجواب هو: نعم، على الأقل في بعض الحكايات الشعبية القديمة في هولندا وفلاندرز.
إحدى القصص المنشورة في مجموعة تراثية تعود إلى عام 1934 تحكي عن أقزام صغيرة كانت تعيش داخل تل رملي، وكان المارّة يتركون لها الخبز والمكسرات والسكر.وبحسب القصة، كانت الأقزام في المقابل تساعد البشر في أعمالهم.
وتروي الحكاية مثلاً أن صانع الأحذية كان يترك السكر أو الشراب الحلو قرب عتبة المنزل ليلاً، فتأتي الأقزام وتساعده في إصلاح الأحذية.
وتوجد روايات شعبية أخرى من مقاطعة ليمبورخ تتحدث عن قزم يعرض مساعدة خياط في عمله مقابل وجبة يومية من اللحم والفاصولياء.
لكن من المهم هنا عدم الخلط بين الحكاية القديمة والعادة الحديثة: لا توجد أدلة على أن الهولنديين الذين يضعون الكستناء أمام منازلهم اليوم يفعلون ذلك لتقديم الطعام للأقزام.
إنها اليوم، في الغالب، زينة خريفية وليست قرباناً أو ممارسة دينية.
لماذا الفطر الأحمر ذو النقاط البيضاء؟
ربما يكون هذا أكثر أجزاء المشهد ارتباطاً بعالم الحكايات.
الفطر الأحمر ذو البقع البيضاء، المعروف في هولندا باسم vliegenzwam، أصبح في الثقافة الشعبية مرتبطاً بصورة القزم الصغير ذي القبعة الحمراء.
والفطر عموماً أحاطت به هالة من الغموض منذ القدم، بسبب ظهوره المفاجئ بعد الأمطار وأشكاله وألوانه غير المعتادة.
وتشير منظمة IVN إلى أن عدم فهم الناس قديماً لكيفية ظهور الفطر ساهم في ربطه بعالم السحر والشخصيات الخيالية، ومنها الساحرات والجنيات والأقزام.
ولا تزال هذه العلاقة حاضرة في الثقافة الموجهة للأطفال. ففي أنشطة IVN الخريفية يخرج الأطفال إلى الغابة بحثاً عن الفطر والأقزام، بل ينظرون أحياناً تحت قبعات الفطر بحثاً، على سبيل اللعب والخيال، عن قزم صغير مختبئ هناك.
والكستناء؟
الكستناء واحدة من أكثر ثمار الغابة حضوراً في الخريف، ولذلك يجمعها الأطفال والعائلات ويستخدمونها في الأعمال اليدوية والزينة المنزلية.
كما ترتبط المكسرات والثمار في الحكايات الشعبية بعالم الغابة والأقزام، وهناك بالفعل قصص قديمة تتحدث عن تقديم المكسرات لهم.
لكن القول إن الكستناء تحديداً توضع أمام الباب باعتبارها طعاماً للأقزام الذين يخرجون في الخريف سيكون مبالغة لا تدعمها المصادر التاريخية المتاحة.
الأدق أن نقول إن عدة عناصر امتزجت عبر الزمن: ثمار الغابة في الخريف، والفطر، والحكايات القديمة عن الأقزام والطعام الذي كان البشر يقدمونه لهم، ثم ثقافة الأطفال والزينة الموسمية الحديثة.
ومن اجتماع هذه العناصر وُلد ذلك المشهد الخريفي الذي نراه اليوم.
ليست كل كستناء للأكل
وهنا معلومة مهمة لمن يقرر تقليد جيرانه وجمع الكستناء من الشارع.
ليس كل ما يشبه الكستناء المنتشر تحت الأشجار في هولندا صالحاً للأكل.
فهناك فرق بين tamme kastanje، أي الكستناء الحلوة الصالحة للأكل، وبين ثمار أشجار أخرى مثل كستناء الحصان، التي تستخدم كثيراً للزينة والأعمال اليدوية ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها كستناء غذائية.
من أسطورة قديمة إلى تقليد خريفي لطيف
عندما تمر في أحد الأحياء الهولندية هذا الخريف وتشاهد أمام أحد المنازل يقطينة برتقالية، وحبات كستناء متناثرة، وأوراقاً صفراء وبنية، وفطراً أحمر منقطاً بالأبيض وقزماً صغيراً، فأنت لا تنظر بالضرورة إلى طقس ديني أو معتقد يمارسه أصحاب المنزل.
أنت أمام خليط جميل من الطبيعة والفولكلور وذاكرة الحكايات الشعبية وثقافة الخريف الأوروبية الحديثة.
وربما يكون أجمل ما في هذه العادة أنها تنقل جزءاً صغيراً من الغابة إلى عتبة المنزل؛ ففي الوقت الذي تستعد فيه الطبيعة للشتاء، تعود الأقزام والفطر والكستناء، ولو في مخيلة الأطفال فقط، لتروي حكاية قديمة جديدة كل خريف.





